مستقبل الترجمة في عصر الذكاء الاصطناعي

جرت العادة أن تمرّ عملية الترجمة بخطواتٍ شاقة، بدءًا من اختيار العنوان، ثم مراسلة الدار الأجنبية والتعامل مع جميع الحقوق القانونية، ثم المراجعة والتحرير والمراجعة اللغوية والإخراج والتصميم، ثم الطباعة حتى مرحلة النشر والتوزيع، وذلك سواء في المعارض الكبرى أو المكتبات. وتشهد منصات النشر الرقمي مؤخرًا شيئًا من الازدهار، مثل أمازون «كندل»، وربما تطبيق أبجد مثلًا. حتى الكتب الصوتية لها نصيبٌ من هذه المرحلة، مثل Storytel واقرأ لي.

انبثقت بعض جوانب هذه الصناعة بالتوازي مع صعود مواقع التواصل الاجتماعي، وظهرت منصات تلخيص الكتب مثل وجيز. إلا أن هذه المنصات جميعها طرق تؤدي إلى غاية واحدة هي إشباع فضول القارئ معرفيًا. ولا أحسب أن واحدةً منها تغني عن الأخرى، بل هي أشبه بالمنتجات المرصوصة في متاجر البيع بالتجزئة، لكلٍ منها عميله الخاص. وتماشيًا مع تعاظم الذكاء الاصطناعي، أو على الأقل شكله الحالي حتى وقت كتابة هذا المقال، القابع هرميًا في فئة الوكلاء الأذكياء (Agentic AI)، نحاول في ريبلكستي ومنتجها ترجوم دفع عجلة الإنتاج وضمان الجودة، بحرصٍ وعقلانية.

فقد جلبت أمواج النماذج اللغوية الضخمة (LLMs) مثل ChatGPT وClaude، في بدء ظهورها العاتية، انحدارًا رهيبًا في جودة المحتوى النصي، الذي هو أمّ المحتوى كله، نتيجة استسهالٍ وانعدام ضميرٍ كليّ من مؤسسات النشر أو المؤلفين. وسهولة إنتاج المحتوى تغري بذلك. ولسنا في موضع التحريض على نبذ الذكاء الاصطناعي، وإنما دعوانا الأساسية هي أن الوسائل تحقق الغايات، ولكن يجب أن تُضمن فيها الجودة والأمانة. وقد نعرض شيئًا من تاريخ النشر، وتطوره من جهة المشاكل والعقبات التي تبعته في المنطقة العربية.

موجز الترجمة العربية في الحضارة الإسلامية وحتى الآن

وصلت صناعة الورق إلى رواق الدولة الإسلامية في القرن الثامن، وقد بُني أول مصنعٍ في عهد هارون الرشيد، ومن خلاله انتشرت أسواق الورّاقين ونُسخت الكتب على نطاقٍ واسع. وكانت بداية أكبر حركة ترجمة منظمة في التاريخ القديم… من اليونانية والفارسية والهندية إلى العربية، على امتداد القرن الثامن وحتى القرن العاشر [1][2]

ظهرت الترجمة كردة فعلٍ على التوسع العظيم في مساحة الدولة واختلاطها بأجناسٍ أخرى، لسدّ الحاجات الإدارية والعلمية والأيديولوجية. مثل الحاجة إلى تحديد اتجاه الكعبة للصلاة… فترجموا ودرسوا علوم الإغريق وأهل الحضارات القديمة. أو التطور في علم الحساب لأجل الزكاة والخراج والجزية. وقد ورد عن حنين بن إسحاق جمعه نسخًا متعددة للمخطوط، ومقابلتها ببعضها قبل الترجمة، وقد فضّل المعنى على اللفظ في الترجمة. وهي نفس المشكلة التي يتنازع فيها المترجمون حتى الآن، فما فتئت الحضارات تتطور، ويتطور معها أدبها وعلمها.

بعد العصور الذهبية كان الإنتاج العلمي محلّ جدال، ولا نقبل ما قيل في اختزاله تحت مسمّى العصور الكئيبة وغيره. بل شهد على استحياء شيئًا من الإنتاج العلمي الأصيل نتيجة تغير الظروف السياسية والاقتصادية، وإن بقي الاتصال بين الشرق والغرب، من تاريخ الأندلس وزوال شمسها المشرقة، والحركات الصليبية… إلى عصر الصدمة الحضارية الأكبر على يد نابليون، والحملة الفرنسية يوم استيقظت مصر على أصداء المدافع، ودخلت الخيل الأزهر. وفي أثناء هذه الأحداث ظهر الضيف الأعز والصديق المكرم… المطبعة الحديثة!

الضيف الذي تأخّر ولم يغب؛ المطبعة

نالت الطوائف المسيحية حظوة طباعة أول كتاب عربي، فطُبع كتاب صلوات المسيحيين في فانو في إيطاليا سنة 1514. وكانت أولى مطابع المشرق العربي في الأديرة المسيحية في دير قزحيا في لبنان [3]

ثم مطبعة حلب سنة 1706 على يد أثناسيوس دبّاس، ثم مطبعة الشوير في جبل لبنان في ثلاثينيات القرن الثامن عشر [3]

وقد ترددت نظرية مفادها أن العثمانيين حرّموا الطباعة تقديسًا وحمايةً للنص الديني، وحفظًا لحقوق سوق الورّاقين. وفق ما خلصت إليه الباحثة كاثرين شوارتز، أي أنه لم يكن حظرًا شاملًا [4]

جاء التحوّل الحقيقي مع بدء انفراد الدول الواقعة تحت المظلة العثمانية بشيء من ذاتية الحكم، فظهرت في مصر مطبعة بولاق سنة 1820. وأسباب محمد علي للنهضة لم تكن من البراءة في شيء، ولكنها أفادت حركة النشر العلمي والترجمة في العصور الحديثة. ثم تأسست مدرسة الألسن على يد العائد من أوروبا رفاعة الطهطاوي سنة 1835 [5]، فأصبحت الترجمة والطباعة أدواتٍ لبناء جيش مصر الحديث. وكانت البداية طباعة أمهات كتب التراث، فجمعت حركة النشر الأدبي بين الترجمة والإحياء الأدبي. في نفس عصر عودة المدرسة الكلاسيكية في الأدب على يد شوقي، وقبله حركة الإحياء والبعث على يد البارودي رحمه الله.

الصحافة والتعريب والرواية

ومسايرةً للعصر الحديث وكثافة المعلومات، أُنشئت عدة صحف على التوالي في مصر، هي الأهرام 1875 والمقتطف 1876 (الذي تأسس في بيروت قبل انتقاله إلى القاهرة) والهلال 1892. فخفّ حمل النشر من الكتاب إلى الدوريات والصحف، وصارت الصحيفة هي الأساس لتجربة الترجمة والاطلاع على ثقافة الآخر، ومنها أيضًا يدرس الناشر سلوك الجمهور ويحدد على أساسه شكل العائد. وقد عرّفت القارئ العام على أشكالٍ أخرى من الأدب المترجم، يوم كان معرّبًا. كمسرحيات موليير في أولى أيام ترجمتها على يد محمد عثمان جلال [19].

وكذا الحال عند المنفلوطي، الذي كان يترجم بالمعنى حسب ما هو مشهورٌ عنه، فلم يكن يحسن الفرنسية [20]. ومن رحم هذا الفضاء الحر ولدت فنونٌ أدبية أخرى مثل الرواية… قبل أن تتأسس لاحقًا منظومة حقوق الملكية الفكرية والأدبية. غير أن هناك شكلًا آخر من أشكال الاستيطان المعرفي، ظهر مع المدارس الأجنبية في مصر، وحازت الجامعة الأمريكية (1919) نصيب الأسد منه، ثم المركز الأمريكي للأبحاث سنة 1948.

الدولة والرقابة والمعارض (1950–2000)

في القرن العشرين، مع شيوع النزعة الاشتراكية والاستقلال سواء عن الاستعمار أو الأنظمة السابقة، صارت الدولة الناشر الأكبر في عدد من البلدان العربية. ومن ملامح المرحلة: لجنة التأليف والترجمة والنشر في القاهرة (1914)، والهيئة المصرية العامة للكتاب، وسلاسل مثل «عالم المعرفة» في الكويت (1978)، وصعود بيروت عاصمةً للنشر الحر من الخمسينيات حتى السبعينيات قبل أن تُضعفها الحرب الأهلية. وفي الوقت نفسه ظلّت الرقابة والمصادرة أداة حاضرة، وظلّ التوزيع العربي المشترك مشكلة لم تُحل: ينتج الناشر في بلد ويعجز عن الوصول إلى القارئ في بلد آخر، فظهر الحل على هيئة معارض الكتاب، التي صارت القناة الرئيسة للتوزيع لا مجرد تبادل ثقافي. وانطلق معرض القاهرة الدولي للكتاب في 1969، وبلغ دورته السابعة والخمسين سنة 2026 بحسب ما أوردته الصحافة المصرية [6].

تطوّر مؤسسات الترجمة، والحاجة الملحة إليها

صدر تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003 ليضع أرقامًا صادمة: بحسب ما يُنقل عنه، تترجم الدول العربية مجتمعةً نحو 330 كتابًا سنويًا، أي نحو خُمس ما تترجمه اليونان وحدها [7]، وفي غيرها شواهد أخرى حيال نصيب الترجمات العلمية أو الترجمات النصيبة، ولسنا من الفريق المتباكي على مصير الترجمة العلمية مثلًا. فقد شهدنا في فترة من التاريخ المصري والعربي ازدهار كتب دار مير الروسية الممتازة في العلوم والهندسة وغيرها، بترجمةٍ قديرةٍ لا تُجارى، ثم سرعان ما انهارت مع انهيار الاتحاد السوفييتي. وعلى ذكر الاتحاد السوفييتي، شهدت نهاية الحرب الباردة ظهور مؤسسات بحثية تهتم بدراسة إيديولوجيات الشعوب ومسالكها الفكرية والمعيشية والسياسية… وشيوع التمويل الأجنبي، حسب ما أورد أكثر من كاتب من أبناء هذه الفترة، مثل حملات تنظيم النسل مثلًا من مؤسسة USAID، وقد شهدت مصر أمواجًا من الحملات من هذه الشاكلة بعد اتفاقية كامب ديفيد 1978، إذ أصبحت ثاني أكبر متلقٍّ للمعونات الأمريكية بعد إسرائيل. وقبلها استضافت فروعًا من مؤسسات خاصة كفورد وروكفلر في الستينات مثلًا… ضمن عدة دول سبقتها. من السذاجة الاعتقاد أن هذه الحركات الخارجية جاءت بنية سليمة، فلها دائمًا إمكانية الخروج عن النص والبراغماتية العلمية والعمل لأهدافٍ غير نبيلة. ولا يخفى أنها احتاجت التوطين اللغوي والترجمة الرصينة سلاحًا لها لفهم الآخر على نحوٍ أعمقَ من أيّ وقتٍ مضى.

لم تكن الاستجابة لهذه الأزمة قائمةً كليًا على المبادرات الفردية، بل امتدت إلى إنشاء مؤسسات ومشروعات ثقافية وبحثية تتولى إنتاج المعرفة ونقلها وتوجيه تداولها في المنطقة. ففي مصر تأسس المركز القومي للترجمة عام 1995، ثم المنظمة العربية للترجمة في بيروت عام 2003، ومشروع «كلمة» في أبوظبي عام 2007، وجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي في قطر عام 2015، وصولًا إلى هيئة الأدب والنشر والترجمة في السعودية [8]. ولم تعد حركة الترجمة مقتصرة على نقل المعرفة إلى العربية، بل اتجهت بعض المبادرات إلى تصدير الأدب العربي إلى اللغات الأخرى؛ إذ أعلن مركز أبوظبي للغة العربية عن 14 شراكة للترجمة والنشر خلال معرض فرانكفورت للكتاب 2026 [9]

لكن هذه المؤسسات لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد استجابة ثقافية محايدة؛ فظهور المؤسسات البحثية والثقافية الحديثة في الشرق الأوسط تزامن مع توسع دور التمويل الخارجي في تشكيل المجال المعرفي والإعلامي، وأصبحت مراكز الأبحاث والترجمة والنشر إحدى القنوات التي يمكن من خلالها التأثير في الموضوعات المطروحة، والأفكار المتداولة، والصورة التي تتشكل لدى الجمهور عن القضايا الإقليمية والدولية. فالتأثير في المجتمعات لا يقتصر على القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل يمتد إلى التحكم في تدفق المعلومات، وتحديد ما يُترجم ويُنشر، وما يحظى بالتمويل والانتشار. وقد أشار ستيفن سايمون، المدير السابق لملف شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجلس الأمن القومي الأمريكي في عهد أوباما، في كتابه «الوهم الكبير: صعود وسقوط الطموح الأمريكي في الشرق الأوسط»، إلى دور التمويل الخليجي في إنقاذ معهد الشرق الأوسط، واصفًا ذلك بأنه أول عملية استحواذ إماراتية على مؤسسة فكرية أمريكية [10]. وهي سابقة خطيرة لو كان قومي يعلمون.

الوعود الكبيرة في سوق النشر الرقمي

أزعم أنّ البشر لهم طبيعة حالمة ثرية بالخيال، وأنها مرّت بهم في عواصف الحياة، إلى برٍّ من الإنجاز والإتقان حوّل الخيال إلى واقع. غير أنّ هذا الخيال قد يملك طبيعةً جامحةً، تخوّل له أن يتمنى ويتطلب ما لن تملكه يد المقادير. فلعلّ توقّع ازدهارٍ ما في الأسواق الرقمية يلغي الأسواق التقليدية والكتب الورقية بالكلية.

والواقع أن الرقمنة والعولمة سهّلتا الاتصال بين العوالم المعرفية المختلفة، بل فتحتا أسواقًا رقمية جديدة مثل روايات الويب مثلًا. بل حاولت أمازون الهيمنة عليها بصناعة القارئ الإلكتروني الذي يستخدم شاشة الحبر الإلكتروني، ولكن ظلت جميعها طرقًا شتى تصب في ملتقى المعرفة الوحيد.

بدأت الرقمنة العربية بالتراث قبل المعاصر: مكتبات مثل «الشاملة» و«الوراق» جعلت آلاف كتب التراث قابلة للبحث، وأتاحت مؤسسات مثل «هنداوي» كتبًا مجانية، وظهرت منصات بيع وقراءة ثم الكتب الصوتية. وفي المقابل بقيت أزمات الحرف العربي الرقمي (الربط والاتجاه ثنائي الاتجاه والخطوط) عقبة تقنية مستمرة. أما السوق التجارية للكتاب الإلكتروني العربي فتقديري أنها لا تزال صغيرة قياسًا بحجم القرّاء المحتملين، بسبب القرصنة المنتشرة على تيليجرام وفيسبوك، وصعوبات الدفع، وضعف أنظمة التوزيع. وهذا تقدير لي لا رقم موثّق.

والأهم أن الرقمنة أعادت المعضلة القديمة بصورة جديدة: حين قلّت تكلفة النشر حتى صار شبه مجاني، لم يعد السؤال «من يستطيع أن ينشر؟» بل «من يستحق أن يُقرأ، ومن يضمن أن هذا النص كتبه من يدّعي؟» ما الذي يضمن الجودة بين ركام الرداءة الممتد على مدى جيجات البصر؟

النشر بين فكّي الذكاء الاصطناعي

في فبراير 2023، أي بعد أشهر من إطلاق ChatGPT، رصدت رويترز، بحسب ما نقلته صحيفة الخليج، أكثر من مئتي كتاب إلكتروني على أمازون كُتبت بمساعدة الأداة أو كُتبت بها كليًا، حتى ظهر صنف جديد: كتب عن استخدام ChatGPT كتبها ChatGPT نفسه [11]. وقد استوردنا نحن هذه الحركة السخيفة في جملة ما نستورده من ظواهر، فكانت أولى الأحداث مثلًا، في معرض القاهرة 2026:

في الدورة 57 للمعرض، تداولت مواقع إخبارية وناشطون صورًا لصفحات من روايات تضمنت ردودًا من ChatGPT موجّهة إلى «المؤلف» عن كيفية بناء الحبكة وتطوير الشخصيات. وفي رواية بعنوان «روح وإياد» ظهر ردّ الأداة على توجيه الكاتب، وهي تعده بمواصلة السرد مع التركيز على تطور العلاقة بين البطلين، ثم يقفز النص مباشرة إلى جملة سردية جديدة، ما يدل على أن الكاتب نسي حذف الحوار من المسودة [12][13][14]. ووصفها ناشطون بأنها «فضيحة ثقافية»، فيما رأى آخرون أن الاستعانة بالأدوات أمر طبيعي، وأن الخداع يكمن في تقديم نص مولّد على أنه إبداع بشري [15].

وقد أثار هذا الأمر جدلًا واسعًا لا سبيل إلى إنهائه، خصوصًا بعد تصريح كتاب بارعين مثل الفائزة بنوبل أولغا توكارتشوك، التي صرّحت بأنها تستخدم نموذج ذكاء اصطناعي متقدم لتوسيع أفكارها، ثم أوضحت لاحقًا أنها لا تستعين به في كتابة نصوصها، وإنما في البحث الأولي فقط [16][17]

موقف الناشرين. صرّح رئيس اتحاد الناشرين العرب محمد رشاد بأن من يستعين بالذكاء الاصطناعي في التأليف قد لا يُفصح عن ذلك، وأن أغلفة كتب وروايات صُمّمت بالفعل بالذكاء الاصطناعي [6].

فنحن بالفعل في بعض توجهاتنا نحاول تسليع الأدب والفن، فنحوّله من مهنةٍ متخصصة إلى فضاءٍ مشاع، يستطيع أي أحد بضغطة زرّ كتابة كتابٍ كامل، أو صناعة غلاف لروايته.

والأبلغ عندي أن هذه الحادثة تكشف خللًا تحريريًا قبل أن تكشف خطرًا تقنيًا. فالنص ظهر بهذه الصورة لأن صاحبه لم يقرأه قبل الطباعة، لا المؤلف ولا محرر ولا ناشر. وهذا يتصل ببنية قديمة في النشر العربي: كثير من الإصدارات تصدر دون تحرير حقيقي، وبعضها على نفقة المؤلف. والمقلق ليس من نسي حذف الحوار، بل من حذفه. فالحالات المكشوفة هي الحالات الأسوأ تنفيذًا، والأبلغ من الفضيحة هو ما لا نراه.

فالنشر الغربي مثلًا لا يقتصر على تصحيح الأخطاء اللغوية والإملائية، بل يبدأ بمراجعة المحتوى نفسه، من حيث الفكرة والبناء وتسلسل الفصول وتماسك الحجج أو الحبكة، ثم ينتقل إلى تحسين الأسلوب والصياغة واختيار المفردات ووضوح الجمل، ومراجعة القواعد وعلامات الترقيم وتوحيد المصطلحات، وصولًا إلى تدقيق النسخة النهائية بعد تصميمها وقبل الطباعة. وتتوزع هذه المهام عادةً بين محررين متخصصين، مثل المحرر التطويري والمحرر الأسلوبي والمحرر اللغوي والمدقق النهائي. وبذلك لا يُنظر إلى المحرر باعتباره مصححًا لغويًا فحسب، بل بوصفه شريكًا مهنيًا في تطوير العمل، يساعد المؤلف على تحسينه دون أن يحل محله أو يصادر صوته وأسلوبه.

أما في الترجمة فالصورة أدقّ: الأدوات الحديثة حسّنت جودة الترجمة الآلية للعربية تحسنًا ملحوظًا، لكن ضغطها يقع أولًا على الترجمة التجارية والتقنية، لا على الأدب. والخطر الأقرب هو ترجمات آلية غير مراجعة تدخل سوق الكتاب بالطريقة التي دخلت بها هذه الروايات: بلا مراجعة ولا إفصاح. وقد تناول أسامة إسبر في «المجلة» في سبتمبر 2026 السؤال في سياق أوسع، عن مستقبل الكتابة والترجمة معًا لا عن قدرة الآلة على كتابة رواية فحسب [18].

خاتمة، وكلمة أخيرة

جعل التطور البشري في آليات الطباعة والنشر تداول المعرفة أسهل، ثم جعل الذكاء الاصطناعي الكتابة نفسها أرخص، ناهيك عن المعارف والأدوات التي يملك صلاحية الوصول إليها. وظل سؤال المسؤولية الذي تترتب عليه المراجعة حاضرًا… من راجع النص؟ فالرفق الرفق بالقارئ. وأهم ما يجب أن نسعى إلى معرفته في وقتنا الحالي: ما الآلية التي يجب أن نشيّدها للإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي من عدمه؟

المصادر

  1. ⁦Jonathan Bloom, Paper Before Print (Yale University Press, 2001).⁩
  2. ⁦Dimitri Gutas, Greek Thought, Arabic Culture (Routledge, 1998).⁩
  3. ⁦Ami Ayalon, The Arabic Print Revolution (Cambridge University Press, 2016)⁩؛ و⁦Geoffrey Roper⁩ في الدراسات عن الطباعة العربية.
  4. ⁦Kathryn A. Schwartz, "Did Ottoman Sultans Ban Print?", Book History 20 (2017).⁩
  5. ⁦Albert Hourani, Arabic Thought in the Liberal Age (1962)⁩؛ ودراسات التعريب في النهضة.
  6. «روايات بالذكاء الاصطناعي، رئيس اتحاد الناشرين يكشف مفاجأة صادمة بشأن معرض الكتاب 2026»، تليجراف مصر (⁦egypttelegraph.com⁩، المقال رقم 214379).
  7. ⁦UNDP⁩، تقرير التنمية الإنسانية العربية 2003: نحو إقامة مجتمع المعرفة.
  8. المواقع الرسمية للمركز القومي للترجمة (مصر)، والمنظمة العربية للترجمة، ومشروع «كلمة»، وجائزة الشيخ حمد للترجمة.
  9. «أبوظبي للغة العربية يكشف عن 14 شراكة للترجمة والنشر في فرانكفورت للكتاب 2026»، صحيفة الاتحاد، 6 أكتوبر 2026 ⁦(aletihad.ae)⁩.
  10. ⁦Steven Simon, Grand Delusion: The Rise and Fall of American Ambition in the Middle East (New York: Penguin Press, 2023).⁩
  11. «تشات جي بي تي يُطلق طفرة في الكتب الإلكترونية المكتوبة بالذكاء الاصطناعي على أمازون»، صحيفة الخليج، 21 فبراير 2023 ⁦(alkhaleej.ae)⁩، نقلًا عن رويترز.
  12. «فضيحة الذكاء الاصطناعي تهز معرض القاهرة الدولي للكتاب»، الجريدة الكويتية
  13. «فضيحة صادمة في معرض القاهرة الدولي للكتاب بطلها شات جي بي تي»، إيلاف، فبراير 2026
  14. «روايات كتبها الذكاء الاصطناعي تشعل جدلًا واسعًا في معرض القاهرة للكتاب»، الأدبية، 5 فبراير 2026
  15. «⁦ChatGPT⁩ على الرفوف.. فضيحة ثقافية في القاهرة للكتاب»، إرم نيوز ⁦(eremnews.com)⁩، وتقرير ⁦OECD.AI⁩ عن الواقعة
  16. ⁦"Nobel Laureate Says She Uses AI to Research Books"⁩، ⁦Kirkus Reviews⁩
  17. ⁦"A Nobel Prize-winning author admitted she uses AI. What's the literary world coming to?"⁩، ⁦The Boston Globe⁩، 21 مايو 2026
  18. أسامة إسبر، مقال في مجلة «المجلة» عن الذكاء الاصطناعي والكتابة والترجمة، 5 سبتمبر 2026 ⁦(majalla.com)⁩.
  19. «عثمان جلال»، أرابيكا، الموسوعة العربية، معهد الدوحة للدراسات العليا
  20. محمد حرب، «درس المنفلوطي»، مجلة القافلة، 16 يوليو 2019